السيد الطباطبائي
9
تفسير الميزان
فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب ويؤكدونها ، فنهى الله عن ذلك وذكر أن أولياءهم إنما هم الله ورسوله والمؤمنون حقا دون أهل الكتاب والمنافقين . ولا يبقى إلا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله : " وهم راكعون " ويندفع بحمل الركوع على معناه المجازى ، وهو الخضوع لله أو الفقر ورثاثة الحال ، هذا ما استشكلوه . لكن التدبر في الآية وما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة جميعا : أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة ، ولزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا ، ولو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض . وأما حديث لزوم إطلاق الجمع وإرادة الواحد في قوله : " والذين آمنوا " ( الخ ) ، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه ، وأنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله فيه ، وبين إعطاء حكم كلى أو الاخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه ، ثم لا يكون المصداق الذي يصح أن ينطبق عليه إلا واحدا فردا واللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات . وليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة - إلى أن قال : - تسرون إليهم بالمودة " ( الآية ) " الممتحنة : 1 ) وقد صح أن المراد به حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا ؟ وقوله تعالى : " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ( المنافقون : 8 " ، وقد صح أن القائل به عبد الله بن أبي بن سلول ؟ وقوله تعالى : " يسألونك ما ذا ينفقون " ( البقرة : 215 ) والسائل عنه واحد ؟ وقوله تعالى : " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " ( البقرة : 274 ) وقد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر ؟ إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة . وأعجب من الجميع قوله تعالى : " يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " والقائل هو عبد الله بن أبي ، على ما رووا في سبب نزوله وتلقوه بالقبول ، والآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها .